الحقيقة حول إعادة التدوير

الحقيقة حول إعادة التدوير


تزداد الأسئلة حول إعادة التدوير بزيادة أهميته. هل يستحق كل هذا الجهد؟ كيف يعمل؟ هل يتم إعادة تدوير النفايات فقط في مكب النفايات في الصين؟ إليك بعض الإجابات


إنها كميات ضخمة من القمامة. منذ عام 1960 ازدادت كمية النفايات البلدية التي تجمع في أمريكا الى ثلاث أضعاف لتصل إلى 245 مليون طناً في عام 2005. وفقاً لإحصاءات الاتحاد الأوروبي، ازدادت كمية النفايات البلدية في شرق أوروبا بنسبة 23% ما بين عامي 1995 و2003 واصلةً إلى 577 كجم للفرد. (ومن شأن الخطة خفض المخلفات لكل شخص إلى 300 كيلوجراماً بحلول عام 2000). ومع ازدياد حجم النفايات، تزداد جهود إعادة التدوير. وفي عام 1980، أعادت الولايات المتحدة تدوير 9.6٪ فقط من القمامة البلدية واليوم يبلغ المعدل 32٪. ويمكن رؤية اتجاه مماثل في أوروبا، حيث تقوم بعض البلدان، مثل النمسا وهولندا، بإعادة تدوير 60٪ أو أكثر من النفايات البلدية. معدل إعادة التدوير في بريطانيا هو 27٪ وهو معدل منخفض، لكنه يسير بسرعة، حيث أنه تضاعف تقريبا في السنوات الثلاث الماضية.

ومع ذلك، عندما تقدم مدينة برنامج إعادة تدوير على طريقة كربسيد تثار بعض التساؤلات على غرار رؤية كل تلك الشاحنات دائرةً في المدينة ما إذا كانت عملية جمع ونقل النفايات تتطلب طاقة أكبر مما توفره. " نحن نتسائل باستمرار: هل إعادة التدوير تستحق القيام على أراض بيئية؟" هذا كما قال جوليان بارفيت، المحلل الرئيسي في برنامج عمل النفايات والموارد (WRAP)، وهي شركة بريطانية غير ربحية تشجع على إعادة التدوير وتطوير الأسواق للمواد المعاد تدويرها. يمكن للدراسات التي تنظر إلى دورة الحياة بأكملها من مادة معينة تسليط الضوء على هذا السؤال في حالة معينة، ولكن قرر برنامج عمل النفايات والموارد أن تأخذ نظرة أوسع. وقد شجعت الجامعة التقنية في الدانمرك ومركز الموضوع الدانماركي المعني بالنفايات أن تجري استعراضا ل 55 تحليلا لدورة الحياة، اختيرت جميعها بسبب منهجيتها الصارمة. ثم نظر الباحثون في أكثر من 200 استعراضاً، مقارنين تأثير إعادة التدوير مع دفن أو حرق أنواع معينة من النفايات. وتوصل الباحثون إلى أن 83٪ من السيناريوهات التي شملت إعادة التدوير، كانت الأفضل حقا للبيئة.


 
واستنادًا إلى هذه الدراسة، قدر برنامج عمل النفايات والموارد أن جهود إعادة التدوير في بريطانيا تخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 10 م -15 مليون طن سنوياً. وهذا يعادل انخفاضا بنسبة 10٪ في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية في بريطانيا من النقل، أو ما يعادل تقريبا منع 3.5 مليون سيارات من السير على الطريق. وبالمثل، تقدر وكالة حماية البيئة الأمريكية أن إعادة التدوير خفضت انبعاثات الكربون في البلاد بمقدار 49 مليون طن في عام 2005.
 
لإعادة التدوير منافع أخرى أيضاً؛ فهي تحافظ على الموارد البشرية. كما أنها تقلل من كمية النفايات التي تدفن أو تحرق، وهي بالكاد طرق مثالية للتخلص من الأشياء. (تأخذ مدافن القمامة مساحة كبيرة وينبعث منها غاز الميثان، وهو غاز قوي من غازات الدفيئة؛ وعلى الرغم من أن المحارق ليست ملوثة كما كانت في السابق، إلا أنها لا تزال تنتج انبعاثات ضارة، لذلك يكره الناس وجودها). ولكن ربما تكون الفائدة الأكثر قيمة لإعادة التدوير هي التوفير في الطاقة والحد من غازات الدفيئة والتلوث الذي ينتج عند استبدال المواد الخردة بالمواد الخام. " إذا كنت تستخدم المواد المعاد تدويرها، فأنت لست بحاجة للتنقيب عن المعادن ولإزالة الخامات وقطع الأشجار والحفر للنفط " هذا ما جاء على لسان جيفري موريس من إدارة الموارد السليمة، وهي شركة استشارية مقرها في أولمبيا، واشنطن.

استخراج المعادن من المواد الخام -على وجه الخصوص- يستهلك الكثير جداً من الطاقة. إعادة تدوير الألومنيوم، على سبيل المثال، يمكن أن تقلل من استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 95٪. توفير الطاقة للمواد الأخرى أقل ولكن لا يزال يشكل نسبة كبيرة: حوالي 70٪ للبلاستيك و 60٪ للصلب و 40٪ للورق و 30٪ للزجاج. كما أن إعادة التدوير يقلل من انبعاثات الملوثات التي يمكن أن تسبب الضباب الدخاني والأمطار الحمضية وتلوث الممرات المائية.

لمحة تاريخية عن إعادة التدوير
 
كان لإعادة التدوير دور معترف به على مر القرون. منذ آلاف السنين تم إعادة تدوير المواد المعدنية عن طريق ذوبان وإعادة تشكيلها لأسلحة أو أدوات جديدة. ويقال إن القطع المكسورة من تمثال رودس، وهو تمثال يعتبر واحدا من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم، تمت إعادة تدويرها للخردة. حلال الثورة الصناعية، بدأت إعادة التدوير في تشكيل الأعمال التجارية التي وصلت بمرور الوقت إلى جمعيات تجارية تعمل في جمع وتجارة ومعالجة المعادن والورق. ترجع جذور معهد أمريكا لصناعات إعادة تدوير الخردة -وهي جمعية تجارية مع أكثر من 1400 شركة عضو- إلى إحدى هذه المنظمات التي تأسست في عام 1913. في الثلاثينيات نجا العديد من الناس من الكساد العظيم من خلال بيع قصاصات من المعادن أو قطع القماش وغيرها. وفي تلك الأيام كانت إعادة الاستخدام وإعادة التدوير في كثير من الأحيان ضرورات اقتصادية. لعبت إعادة التدوير أيضا دورا هاما خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تحولت الخردة المعدنية إلى أسلحة.
 
ومع بدء المجتمعات الصناعية في إنتاج كميات متزايدة من القمامة، اتخذت إعادة التدوير معنىً جديداً. وبدلًا من إعادة تدوير المواد لأسباب اقتصادية بحتة، بدأت المجتمعات في التفكير في كيفية الحد من تدفق النفايات إلى مدافن القمامة والمحارق. وفي عام 1970 تقريبا، أثارت الحركة البيئية إنشاء أول مخططات  لجمع النفايات على طريقة الكربسيد في أميركا، على الرغم من أن هذه البرامج كانت قد توقف العمل بها قبل عشرين عاما أخرى.
في عام 1991 صنعت ألمانيا التاريخ عندما أصدرت مرسوماً بنقل المسؤولية عن دورة حياة كاملة من التعبئة والتغليف للمنتجين. وردا على ذلك، أنشأت هذه الصناعة نظام دوالز ديوتسكلاند، وهي شركة تعمل على عمل نظاماً منفصلاً لإدارة النفايات موجود جنبا إلى جنب مع جمع القمامة العامة. من خلال فرض رسوم ترخيص للعلامة التجارية "جرين دوت"، يدفع نظام نظام دوالز ديوتسكلاند لجمع وفرز وإعادة تدوير مواد التعبئة والتغليف. على الرغم من أن النظام تبين أن يكون مكلفةً، لكنه كان مؤثرا للغاية. واعتمدت بلدان أوروبية عديدة في وقت لاحق مبادراتها الخاصة بإعادة التدوير التي تتضمن درجة معينة من مسؤولية المنتجين.
 
 
 
وفي عام 1987، صعدت البارجة المحملة بالقمامة صعودا وهبوطا في الساحل الشرقي الأمريكي بحثا عن مكان للتفريغ، مما أثار مناقشة عامة حول إدارة النفايات، وعمل كمحفز لحركة إعادة التدوير المتزايد في البلاد. وبحلول أوائل التسعينيات من القرن العشرين، أنشأت العديد من المدن الأمريكية برامج لإعادة التدوير، مما أدى إلى انخفاض أسعار المواد القابلة لإعادة التدوير من حوالي 50 دولاراً للطن إلى حوالي 30 دولاراً، يقول الدكتور موريس، الذي كان معنياً بتتبع أسعار المواد القابلة للتدوير في شمال غرب المحيط الهادئ منذ منتصف الثمانينيات. وكما هو الحال مع جميع السلع الأساسية، تتغير تكاليف المواد القابلة لإعادة التدوير. ولكن متوسط سعر مواد الكربسيد ارتفع منذ ذلك الحين ببطء إلى حوالي 90 دولاراً للطن.
ومع ذلك، فإن معظم برامج إعادة تدوير الكربسيد ليست مكتفية ذاتياً من الناحية المالية. وتتجاوز تكلفة جمع المواد ونقلها وفرزها بشكل عام الإيرادات الناتجة عن بيع المواد القابلة لإعادة التدوير، وهي أيضا أكبر من تكاليف التخلص منها. يقول الدكتور موريس: هناك استثناءات موجودة إلى حد كبير بالقرب من الموانئ في المناطق الحضرية الكثيفة التي تفرض رسوما عالية للتخلص من المدفن، وتتمتع بظروف سوق جيدة لبيع المواد القابلة للتدوير.

فرز الأشياء

في الأصل طالبت برامج رفع النفايات (كيربسيد) الناس بفصل الورق والزجاج والعلب في صناديق منفصلة. ولكن يذهب الاتجاه الآن إلى الجمع المختلط أو جمع "التيار الواحد". ويقول كيت كريبس، المدير التنفيذي للتحالف الوطني لإعادة التدوير: إن حوالي سبعمائة برنامجًا من برامج كربيسيد الأميريكية البالغ عددها 10 آلاف برنامجًا تستخدم الآن هذا النهج، ولكن التغيير يمكن أن يزرع الشك في نفوس الناس : إذا لم يعد هناك أي حاجة لفصل المواد المختلفة، قد يستنتج الناس أن النفايات ببساطة تُدفن أوتُحرق. إن الإتجاه إلى جمع "الفصيلة الواحدة" في الواقع يُدار بالتكنولوجيات الجديدة التي يمكنها تحديد المواد المختلفة وفرزها، وهذا يتم بالتدخل البشري المحدود أو عدم تدخله على الإطلاق.  إن جمع "الفصيلة الواحدة" يجعل إعادة تدويرأكثر ملاءمة لأصحاب المنازل، وهذا يعني أن المزيد من المواد تتحول  من تيار النفايات .

سان فرانسيسكو، التي بدلت واتبعت نظام جمع الفصيلة الواحدة بدلًا من جمع الفصائل المتعددة قبل بضع سنوات، تفخرالآن  بمعدل إعادة التدوير 69 ٪ - واحد من أعلى المعدلات في أمريكا. وباستثناء نفايات الحدائق والمواد الغذائية، فإنه يتم فرز جميع المواد القابلة لإعادة التدوير في المدينة ضمن برنامج كربسيد في منشأة تبلغ مساحتها 200000 قدم مربع تجمع الآلات والعمالة التي يبلغ عددها  155 موظفًا. في عام 2003، تم افتتاح المصنع الذي يبلغ تكلفة انشاءه ثمانية وثلاثين مليون دولار، بجانب خليج سان فرانسيسكو، وكونه يعمل بنظام نفايات نوركال، فهو يعالج في المتوسط 750 طنًا من الورق والبلاستيك والزجاج والمعادن يوميًا.

تبدأ المهمة عندما تصل شاحنة ما وتفرغ حمولة المواد القابلة للتدوير في أحد طرفي المبنى، وتُجمع المواد بعد ذلك على سيور ناقلة كبيرة تنقلها إلى محطة فرز يدوية. هناك، يفرز العمال كل شيء، فيُخرجون الأكياس البلاستيكية، وقطع الورق المقوى الكبيرة وغيرها من المواد التي يمكن أن تضرآلات الفرز أو تعوق عملها. وتعد أكياس البلاستيك بشكل خاص مسببةٌ للمشاكل لأنه يتم التقاطها في شاشات قرص الذاكرة الدوار التي تبعث بالمواد الأثقل إلى أسفل في اتجاه واحد ، مثل الزجاجات والعلب، وترفع الورق في اتجاه آخر.

يتم فصل الكرتون المقوى المموج عن الورق المختلط، وكلاهما بعد ذلك يُرزم ويُباع، وتقطع الزجاجات البلاستيكية والكرتون باليد. تُجمع لأنواع الأكثر شيوعا، PET (نوع 1) و HDPE (نوع 2)، بشكل منفصل، و يذهب الباقي إلى علبة تحتوي على بلاستيكات مختلطة .

بعد ذلك، يسحب المغناطيس أي معادن حديدية،  متمثلة عادة في القصدير المطلي أوالعلب الفولاذية، أما المعادن غير الحديدية ومعظمها تكون من علب الألمنيوم، يتم إخراجها عن طريق التيار الدوامي .تتكون فواصل التيار الدوامي ، التي تستخدم منذ أوائل التسعينات، من دوار مغناطيسي سريع الدوران داخل دارة أسطوانية طويلة تدور بسرعة أبطأ .بينما يتم نقل علب الألومنيوم فوق هذه الدارة الأسطوانية بواسطة سيرناقل، فيحرك المجال المغناطيسي التيارات الكهربائية الدائرة داخل تلك العلب، المسماة بالتيارات الدوامة.هذا يخلق مجال مغناطيسي ثانوي حول العلب التي يتم صدها بواسطة المجال المغناطيسي للدوار،فتخرج  علب الألومنيوم حرفيا من مواد النفايات الأخرى.
وأخيرا، يتم فصل الزجاج باليد إلى زجاج نظيف، وزجاج بني، وزجاج أصفر وزجاج أخضر. ويقول بوب بيسو، مدير برنامج إعادة التدوير في شركة نوركال في سان فرانسيسكو: ، أن عملية الفرز بأكملها من البداية إلى النهاية تستغرق حوالي ساعة ، وهذا بالنسبة لكل حمولة.

على الرغم من أن جميع مرافق إعادة التدوير لا تزال توظف الناس، يتزايد الاستثمار في تقنيات الفرز البصرية التي يمكن أن تفصل أنواع مختلفة من الورق والبلاستيك.وقد بدأ في أوائل التسعينات تطوير أول أنظمة فرز النفايات القائمة على  استخدام الأشعة تحت الحمراء. في ذلك الوقت قلقت شركة إلوباك، المنتِج النرويجي لعلب المشروبات المصنوعة من الورق المقوى البلاستيكي المغلف، من أنه سيتعين عليها دفع رسومًا كبيرة لتقابل مسؤوليات المنتج في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية.عمدت إلوباك لإيجاد وسيلة لفرز العلب الخاصة بها أوتوماتيكيًا وذلك للحد من تكاليف دورة الحياة الشاملة المرتبطة بمنتجاتها. وتعاونت الشركة مع سينتيف، مركز أبحاث نرويجي، وفي عام 1996 باعت أول وحدة لها في ألمانيا. وبعد ذلك انتقل استخدام هذه التقنية إلى شركة تسمى الآن تيتك .

تعتمد أنظمة تيتك  والتي أكثر من 1000 منها الآن مثبتة في جميع أنحاء العالم  على التحليل الطيفي لتحديد مواد مختلفة. يتم توزيع الورق والبلاستيك على سير ناقل في طبقة واحدة.عندما تضاء أنواع المواد كلها بواسطة مصباح الهالوجين، فإنه يعكس مزيج فريد من نوعه من الأطوال الموجية في طيف الأشعة تحت الحمراء التي يمكن تحديدها، والتي تشبه كثيرًا بصمات الأصابع.  عن طريق تحليل البيانات من جهاز الاستشعار الذي يكشف الضوء في كل من الطيف المرئي والطيف القريب من الأشعة تحت الحمراء، فالكمبيوتر قادر على تحديد لون كل عنصر ونوعه وشكله ومكانه. ثم يتم تنشيط الطائرات الجوية لدفع عناصر معينة من سير ناقل واحد إلى آخر، أو إلى صندوق ما . وهكذا يمكن فرز أنواع عديدة من الورق أو البلاستيك أو خليط  منها بدقة تصل إلى 98٪.
 
وبالنسبة للعديد من المواد، فإن عملية إعادة تدويرها إلى مواد خام مفيدة تعد عملية واضحة: حيث يتم تقطيع المعادن إلى قطع، ويتم تفتيت الورق إلى لب ويتم سحق الزجاج إلى آسارة زجاج . يمكن إعادة تدوير المعادن والزجاج إلى ما لا نهاية دون أي خسارة في الجودة، ولكن الورق  يمكن إعادة تدويره حتى ست مرات. (فخلال هذه العملية، تنقص أليافه وتتدهور جودته .)

أما البلاستيكيات المصنوعة من الوقود الأحفوري فهي مختلفة إلى حد ما. فعلى الرغم من أنها تتميزبالعديد من الخصائص المفيدة - كونها مرنة وخفيفة الوزن ويمكن أن تتشكل في أي شكل- فهناك أنواع مختلفة عديدة، تحتاج معظمها إلى المعالجة بشكل منفصل. في عام 2005 تم استرداد أقل من 6٪ من البلاستيك من تيار النفايات المحلي في أمريكا. ومن هذا الجزء الصغير، النوعين الوحيدين اللذين تم إعادة تدويهما بكميات كبيرة هما PET و HDPE. بالنسبة ل PET ، يوجد إعادة تدوير الزجاجات إلى زجاجات. ولكن البلاستيك غالبا ما يتم "تدويره" إلى منتجات أخرى مثل الأخشاب البلاستيكية (التي تستخدم بدلا من الخشب)، ومواسيرالصرف وألياف السجاد، والتي ينتهي بها المطاف في مدافن القمامة أو المحارق في نهاية مراحلها النافعة.

ومع ذلك، يتم استخدام البلاستيك أكثر فأكثر، ليس فقط للتغليف، ولكن في السلع الاستهلاكية أيضا  مثل السيارات وأجهزة التلفزيون والحواسيب الشخصية. كون هذه المنتجات مصنوعة من مجموعة متنوعة من المواد ويمكن أن تحتوي على أنواع متعددة من البلاستيك والمعادن (بعضها سامة)، والزجاج، فهي بشكل خلص صعبة ومكلفة من حيث التفكيك وإعادة التدوير.

بدأت أوروبا واليابان تطبق قوانين "الاستعادة" التي تتطلب من مصنعي الإلكترونيات إعادة تدوير منتجاتهم. ولكن  لم يقدم على هذا التشريع في أميركا سوى حفنة من الولايات. وقد تسبب ذلك في مشاكل للشركات التي تتخصص في إعادة تدوير البلاستيك من تيارات النفايات المعقدة والتي تعتمد على قوانين الاستعادة للحصول على المواد الأولية اللازمة. يقول مايكل بيدل، مؤسس شركة إم بي إي بوليمرز ، عدم وجود مثل هذه القوانين يعد من أحد الأسباب التي تجعل شركته تُشغل محطة رائدة فقط في أمريكا ولكن منشآتها الرئيسية في الصين والنمسا.

يمكن معالجة الكثير من المواد القابلة لإعادة التدوير محليا، ولكن يتم شحنها أكثر من أي وقت مضى إلى الدول النامية، وخاصة الصين، حيث تتمتع البلد بشهية كبيرة للمواد الخام، بما في ذلك المعادن الخردة، ونفايات الورق والبلاستيك، وكلها يمكن أن تكون أرخص من المواد التي لم تستخدم من قبل. وفي معظم الحالات، يعاد تدوير هذه النفايات إلى سلع استهلاكية أو تعبأ وتغلف وتعاد إلى أوروبا وأمريكا عبر سفن الحاويات، وكون الصين في حاجة  للموارد وتوافر العمالة الرخيصة، أصبحت أكبر مستورد للمواد القابلة لإعادة التدوير في العالم.

مسألة الصين

ولكن عملية شحن المواد القابلة للتدوير إلى الصين هى عملية مثيرة للجدل. خصوصًا في بريطانيا، حيث أعرب السياسيون عن قلقهم من أن بعض هذه الصادرات قد ينتهي بها المطاف في مدافن القمامة. لا يوافق العديد من الخبراء على ذلك. ووفقًا لبيتر فان بيوكيرينغ، الخبير الاقتصادى الذي درس تجارة النفايات الورقية مع الهند ونفايات البلاستيك  مع الصين: "بمجرد أن يقوم شخص ما بدفع ثمن المواد، فإنك تراهن أنه سيتم إعادة تدويرها".

وفي الواقع، يقول دكتور فان بيوكيرينغ: إن شركات إعادة التدوير في البلدان النامية تستطيع بناء مصانع أكبر وتحقيق اقتصادات الحجم، وإعادة تدوير المواد بكفاءة أكبر وبتكلفة بيئية أقل وذلك عن طريق استيراد مواد النفايات. وقال إنه شهد الكثير من ذلك في الهند، حيث تم تحويل العشرات من مصانع الورق غير الفعالة والملوثة بالقرب من مومباي إلى عدد لابأس به من المصانع الأكثر إنتاجية والمصانع صديقة البيئة في غضون بضع سنوات.

ومع ذلك، قد تكون المصانع في الدول النامية أقل تنظيمًا مقارنة بالدول الغربية ومجال إعادة التدوير لا يعد  استثناءً. وقد عانت الصين بشكل خاص من مشاكل لا تحصى تخص واردات النفايات غير القانونية، التي يتم معالجة الكثير منها عن طريق المهاجرين الفقراء فى المناطق الساحلية الصينية، حيث يقومون بتفكيك أي شيء  ويعيدوا تدويره من البلاستيك إلى النفايات الإلكترونية دون أي حماية لأنفسهم أو للبيئة.

وتقول آيا يوشيدا، الباحثة فى المعهد الوطنى للدراسات البيئية اليابانى والتى درست واردات النفايات الصينية وعمليات إعادة التدوير: أن الحكومة الصينية قد حظرت مثل هذه الممارسات، ولكن العمال المهاجرين قد أنتجوا صناعة منزلية متنقلة يصعب محوها، ولأن هذا النوع من الصناعة يعمل إلى حد كبير تحت الرادار، فإنه يصعب تقييم تأثيره الكلي. ولكن من الواضح أن معالجة النفايات البلاستيكية والإلكترونية معالجة بدائية  يطلق مواد كيميائية سامة  تضر الأشخاص والبيئة - وهو عكس ما يُفترض أن تحققه إعادة التدوير.

وضع بعض صانعي الكمبيوتر قواعد لضمان إعادة تدوير منتجاتهم بطريقة مسؤولة تحت ضغط من الجماعات البيئية مثل ائتلاف وادي السيليكون للمواد السامة. وكانت هيوليت باكارد (إتش بي) رائدة في هذا تعمل على إنشاء مصانع إعادة التدوير الخاصة بها في ولاية كاليفورنيا وتينيسي. أما بالنسبة لديل، التي انتقدت من قبل لاستخدام عمال السجون لإعادة تدوير آلاتها، تأخذ الآن أجهزة الكمبيوتر القديمة بدون رسوم. وفي الشهر الماضي أفصح ستيف جوبز عن خطط أبل المفصلة للقضاء على استخدام المواد السامة في منتجاتها.

والأقل إثارة للجدل هو إعادة تدوير الزجاج حتى في الأماكن التي لا يوجد فيها سوق له. بريطانيا، على سبيل المثال، تكافح من أجل زجاج صديق للبيئة. تعد بريطانيا أكبر مستورد للنبيذ في العالم مما يعني أكثر من 1 مليار لتر سنويا، معظمها في زجاجات صديقة للبيئة. ولكن مع صناعة النبيذ الصغيرة منها، هناك القليل من الطلب على الزجاج الناتجة. فالمطلوب بدلاً من ذلك هو الزجاج الذي تحول إلى زجاجات لشراب النبيذ وغالبا ما يتم تصديرها إلى بلدان أخرى. لذا، يقول أندي داو - مدير التكنولوجيا الزجاجية في برنامج عمل النفايات والموارد- إن بريطانيا في "الوضع الغريب" لوجود زجاج صديق للبيئة أكثر مما لديها من طاقة إنتاجية.
 
ويستخدم صانعي الزجاجات البريطانيون الزجاج الأخضر المعاد تدويره في أفرانهم لإنتاج الزجاجات الجديدة, لذلك يتم تدوير بعض الزجاج الفائض إلى مواد البناء أو إلى الرمال  التي يتم استخدامها لأنظمة الترشيح. ويكشف التحليل الذي أجراه البرنامج المسئول عن الإنتاج المعتمدة عالمياً (وراب) أن الطاقة التي يتم توفيرها لكلا الأمرين تبدو "هامشية أو حتى غير مؤاتية". وبدأ (وراب) للعمل مع الصناعة،  برنامج جديد يسمى غلاسريت واين، في محاولة للوصول لحل لهذه المشكلة، حيث يتم استيراد بعض النبيذ الآن في حاويات تحمل حتي 24,000 لتر ثم يتم تعبئتها في بريطانيا, بدلاً من تعبئتها من المصدر. وقد يزعج هذا بعض خبراء النبيذ، لكنه يحل مشكلتين كما يقول السيد داو: إنه يقلل من كمية الزجاج الأخضر الذي يتم استيراده ويتم استخدام ما يتم استيراده بشكل الجيد. كما يمكنه أيضا خفض تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 40٪.

مستقبل إعادة التدوير

  هذه حالة غير عادية. وبصورة أعم، فإن أحد أكبر العوائق أمام كفاءة إعادة التدوير هى أن معظم المنتجات لم يتم تصميمها لكي يتم تدويرها. وقال ويليام ، المهندس المعماري والمؤلف المشارك لكتاب صدر في عام 2002 بعنوان "من مهد إلى مهد" إنه قد يقتضي الأمر إعادة التفكير فى الطريقة التي تتم بها الصناعات من أجل معالجة هذه المشكلة: "إعادة صياغة الطرق التي نصنع بها الأشياء". ويضع ماكدونو بالتعاون مع مايكل برونغارت الكيميائي, وزميله فى تأليف الكتاب, رؤية جديدة لإنشاء دورات "الحلقة المغلقة" بحيث تختفي النفايات. كما يقولون أنه ينبغي التفكير بإعادة التدوير أثناء مرحلة التصميم, وينبغي يضاً أن تكون جميع المواد إما قادرة على العودة إلى التربة بأمان أو هناك قابلة لإعادة تدويرها إلى أجل غير مسمى. وقد يبدو هذا مجرد رغبات وأماني، ولكن ماكدونو لديه نسب جيدة, فقد عمل على مر السنين مع شركات مختلفة بما في ذلك شركتي فورد وجوجل.

ونتج عن نهج "من المهد إلى المهد" الائتلاف المستدام للتغليف, وهي مجموعة غير هادفة للربح وضعت مبادئ توجيهية تتطلع إلى ما هو أبعد من المعايير التقليدية لتصميم التعبئة والتغليف حيث تؤكد على ضرورة  استخدام المواد المتجددة والمواد المعاد تدويرها والمواد غير السامة، من بين أمور أخرى. أسسها تسعة أعضاء فقط في عام 2003, وتضم المجموعة الآن ما يقرب من 100 عضو، بما في ذلك شركة تارجت وستاربكس واستي لودر، وقد بدأ بعضها بالفعل بتغيير تصميم التعبئة والتغليف الخاصة بهم.

التعبئة المستدامة لا تفيد البيئة فقط بل يمكنها أيضا خفض التكاليف, فقد  أعلنت وول مارت، أكبرشركات التجزئة في العالم، العام الماضي أنها تريد خفض كمية التعبئة والتغليف التي تستخدمها بنسبة 5٪ بحلول عام 2013، مما يمكن أن يوفر للشركة ما يصل إلى 3.4 مليار دولار، ويقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 667،000 طن. ولم تكتفي شركة وول مارت بالحد من كمية التعبئة والتغليف, بل تريد أيضا إعادة تدوير المزيد منها. وبدأت الشركة قبل عامين باستخدام عملية غير عادية، وتدعى "ساندويتش بايل"، لجمع النفايات المتواجدة في مخازنها ومراكز التوزيع الخاصة بها لإعادة تدويرها. وتنطوي العملية على وضع طبقة من الورق المقوى في الجزء السفلي من ضاغطة القمامة قبل ملئها بالنفايات، ومن ثم وضع طبقة أخرى من الورق المقوى على القمة. ثم تنتج الضاغطة "شطيرة" يسهل التعامل معها ونقلها، كما يقول جيف أشبي من شركة روكي ماونتين ريسيكلينغ لإعادة التدوير، والذي اخترع تلك العملية لشركة وول مارت. وتقوم الشركة الآن بجني المال عن طريق بيع النفايات بأسعار السوق, هذا بالإضافة إلى تجنب تكاليف التخلص من المواد التي أرسلتها سابقاً إلى مكب النفايات.

ومن الواضح أن هناك مجال للمزيد من الابتكار في إعادة التدوير. ونظراً لأن العديد من المجتمعات المحلية والمنظمات قد وضعت أهدافاً عالية لإعادة التدوير, ستكون هناك حاجة إلى أفكار ونهج جديدة. ويقتضي التوجيه الخاص بالتعبئة والتغليف في أوروبا من الدول الأعضاء إعادة تدوير 60٪ من الزجاج والورق و 50٪ من المعادن و 22.5٪ من العبوات البلاستيكية بحلول نهاية عام 2008. و صوت البرلمان الأوروبي في وقت سابق من هذا العام لزيادة معدلات إعادة التدوير بحلول عام 2020 إلى 50٪ من النفايات البلدية و 70٪ من النفايات الصناعية. ويمكن تعزيز معدالت إعادة التدوير من خلال زيادة الرسوم على الأسر والشركات التي تنتج المزيد من القمامة، ومن خلال تقليل مجموعات القمامة مع زيادة مجموعات إعادة التدوير.

وفي الوقت نفسه، تهدف بعض المدن والشركات (بما في ذلك وول مارت وتويوتا ونايكي) إلى عدم إنتاج النفايات. وقد يكون هذا غير واقعي، لكن مات هيل، مدير مكتب النفايات الصلبة في وكالة حماية البيئة الأمريكية، يقول إن هذا هدف قيم، ويمكن أن يساعد الشركات على التفكير في طرق أفضل لإدارة المواد. كما يجبر الناس على النظر إلى دورة حياة المنتج بأكملها، ويطرح الدكتورهيل الأسئلة التالية: هل يمكن تقليل كمية المواد من البداية؟ وهل يمكن تصميم المنتج بحيث تجعل إعادة تدويره أسهل؟

وإذا تم ذلك بشكل صحيح، فلا شك في أن عمليات إعادة التدوير توفر الطاقة والمواد الخام وتقلل من التلوث. ولكن فضلا عن محاولة زيادة عمليات إعادة تدوير، فمن المهم أيضا  محاولة تحسينها ومع تطور التكنولوجيات والمواد، هناك مجال واعد للتحسين. وفي النهاية، تقول السيدة كريبس "النفايات هي في الواقع عيب في التصميم."
 

كُتاب المقال

Yasmeen Mostafa

Yasmeen Mostafa

@yasmeenmostafa501
Nermeen Hamed

Nermeen Hamed

@nermeenehamed